تقترب دولة الإمارات العربية المتحدة من مستقبل تصبح فيه المركبات ذاتية القيادة جزءًا من منظومة النقل اليومية. وتتطور لوائح السيارات ذاتية القيادة في الإمارات مع وضع الجهات المختصة قواعد تنظم الترخيص والاختبار والسلامة وتشغيل المركبات ذاتية القيادة. وقد اعتمدت دبي لوائح تنفيذية تفصيلية بموجب قانون المركبات ذاتية القيادة، بينما أطلقت رأس الخيمة إطارًا قانونيًا مستقلًا في عام 2026. وتوضح هذه التطورات مجتمعة أن التنظيم أصبح عنصرًا أساسيًا في انتقال الإمارات نحو التنقل الآلي.
السيارات ذاتية القيادة في الإمارات: ماذا تشمل القواعد الجديدة؟
يكتسب وضع لوائح مخصصة للمركبات ذاتية القيادة أهمية كبيرة، لأن هذه المركبات تعمل بطريقة تختلف عن السيارات التقليدية. فبدلًا من الاعتماد الكامل على السائق البشري، تستخدم هذه المركبات مزيجًا من الكاميرات والرادار وتقنية LiDAR والذكاء الاصطناعي والخرائط عالية الدقة وغيرها من التقنيات لفهم البيئة المحيطة واتخاذ قرارات القيادة.
ويحدد الإطار التنظيمي في دبي متطلبات ترخيص المركبات ذاتية القيادة قبل تشغيلها على الطرق العامة. كما يجب أن تستوفي المركبات المتطلبات الفنية ومتطلبات السلامة والأمن، في حين يتعين على الجهات المشغلة المشاركة في أنشطة المركبات ذاتية القيادة الحصول على التصاريح اللازمة.
وتوفر اللوائح التنفيذية في دبي كذلك إطارًا أكثر تفصيلًا يشمل فئات المركبات، ومتطلبات الترخيص، والمعايير الفنية، ومسؤوليات المشغلين، ومتطلبات البنية التحتية.
ويسهم ذلك في توفير آلية أكثر وضوحًا أمام شركات تصنيع السيارات وشركات التكنولوجيا الراغبة في اختبار المركبات ذاتية القيادة أو تشغيلها في الإمارة.
من الاختبارات إلى التشغيل في العالم الحقيقي
لتنتقل السيارات ذاتية القيادة في الإمارات تدريجيًا من مرحلة الاختبارات إلى التشغيل في العالم الحقيقي. فقد بدأت عدة شركات اختبار تقنيات القيادة الذاتية على الطرق الإماراتية، في الوقت الذي تعمل فيه الجهات المختصة على تجهيز البنية التحتية والأنظمة التنظيمية اللازمة للتوسع في استخدامها.
وفي دبي، تعاونت هيئة الطرق والمواصلات مع عدد من مزودي تقنيات القيادة الذاتية ضمن خططها لتطوير النقل ذاتي القيادة. وفي عام 2025، منحت الهيئة شركة بايدو تصريحًا لإجراء تجارب القيادة الذاتية لمركبات Apollo Go على طرق عامة محددة.
كما شهدت أبوظبي تطورات في مجال التنقل من دون سائق. وأفادت هيئة أبوظبي للتنقل بأن مركبة AutoGo-K2 حصلت على موافقة للتشغيل الذاتي الكامل من المستوى الرابع (Level 4) في جزيرة ياس، وذلك بعد استكمال اختبارات مكثفة على الطرق.
وتشير هذه التطورات إلى أن المركبات ذاتية القيادة تنتقل تدريجيًا من مرحلة التجارب المحدودة إلى خدمات تجارية تخضع لإطار تنظيمي واضح.
لماذا يعد التنظيم مهمًا للمركبات ذاتية القيادة؟
تعتمد معظم قوانين المرور التقليدية على وجود سائق بشري. أما السيارات ذاتية القيادة فتطرح أسئلة جديدة تتعلق بالمسؤولية عن المركبة، وآلية اختبارها، والمعايير الفنية التي يجب أن تستوفيها، وكيفية التعامل مع الحوادث.
ويمكن للإطار التنظيمي أن يوفر متطلبات أكثر وضوحًا لشركات تصنيع السيارات ومزودي التكنولوجيا والمشغلين.
فعلى سبيل المثال، تشترط قواعد دبي خضوع المركبات ذاتية القيادة لفحوصات فنية وفق المعايير التي تعتمدها هيئة الطرق والمواصلات. كما يجب أن تستوفي المركبات متطلبات السلامة والأمن المعمول بها قبل الحصول على الترخيص.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة مع تطور الأنظمة ذاتية القيادة وقدرتها على تنفيذ المزيد من مهام القيادة دون تدخل بشري مستمر.
ماذا يمكن أن يعني ذلك لسيارات الأجرة ذاتية القيادة؟
من المرجح أن تكون السيارات ذاتية القيادة من أبرز تطبيقات القيادة الذاتية في الإمارات، خاصة في خدمات سيارات الأجرة. فبدلًا من امتلاك سيارة، يمكن للمسافرين مستقبلًا طلب مركبة ذاتية القيادة عبر منصة للتنقل والوصول إلى وجهتهم دون وجود سائق بشري.
وقد بدأت دبي بالفعل العمل مع شركات من بينها Uber ومزودو تقنيات القيادة الذاتية ضمن خططها لتطوير خدمات سيارات الأجرة ذاتية القيادة. كما أعلنت هيئة الطرق والمواصلات عن خطط لإدخال سيارات الأجرة ذاتية القيادة ضمن استراتيجيتها الأوسع للتنقل الذكي.
وبالنسبة إلى الركاب، قد تشبه التجربة مستقبلًا خدمات حجز السيارات عبر التطبيقات المتاحة اليوم، ولكن مع تولي نظام القيادة الذاتية مهمة قيادة المركبة.
ومع ذلك، فإن انتشار هذه الخدمات على نطاق واسع سيعتمد على عوامل تتجاوز التكنولوجيا نفسها. إذ ستحتاج الجهات المختصة إلى مراعاة ظروف الطرق، وسلامة الركاب، والتأمين، والأمن السيبراني، والاستجابة لحالات الطوارئ، ومدى تقبل الجمهور لهذه التقنية.
دور جديد للبنية التحتية
لا تعمل السيارات ذاتية القيادة بمعزل عن البيئة المحيطة بها. فالطرق، وإشارات المرور، والخرائط الرقمية، وشبكات الاتصالات وغيرها من عناصر البنية التحتية يمكن أن تؤثر في مدى كفاءة عمل أنظمة القيادة الذاتية.
وهذا يعني أن نمو التنقل الذاتي قد يشجع المدن أيضًا على تطوير بنيتها التحتية الرقمية الخاصة بالنقل.
وتتضمن لوائح دبي جاهزية البنية التحتية كجزء من إطار تشغيل المركبات ذاتية القيادة.
وقد تتيح البنية التحتية الذكية مستقبلًا للمركبات وأنظمة النقل تبادل المعلومات حول حركة المرور، وإغلاق الطرق، والحوادث وغيرها من الأحداث. ويمكن أن توفر هذه المعلومات للأنظمة ذاتية القيادة بيانات إضافية تتجاوز ما تستطيع أجهزة الاستشعار الموجودة على متن المركبة اكتشافه.
ماذا عن السلامة؟
تظل السلامة من أهم الاعتبارات المرتبطة بالقيادة الذاتية. وتستخدم السيارات ذاتية القيادة الحديثة مجموعة من أجهزة الاستشعار والأنظمة البرمجية للتعرف على المركبات والمشاة وخطوط الطريق وإشارات المرور والعناصر الأخرى المحيطة بها.
ومع ذلك، لا تزال تقنيات القيادة الذاتية مطالبة بالتعامل مع مواقف غير متوقعة في العالم الحقيقي. فقد تشكل مناطق الإنشاءات، وتخطيطات الطرق غير المعتادة، والظروف الجوية القاسية، والحركات المفاجئة للمشاة، والتفاعل مع المركبات التي يقودها البشر، سيناريوهات معقدة.
ولهذا السبب، يركز النهج التنظيمي في الإمارات على الفحوصات الفنية، ومعايير السلامة، والمتطلبات التشغيلية، والاختبارات المنظمة.
وبدلًا من السماح للمركبات ذاتية القيادة بالعمل دون قيود، يحدد الإطار التنظيمي الشروط التي يمكن بموجبها اختبار هذه المركبات وتشغيلها.
تأثير ذلك على قطاع السيارات
يمكن أن يؤدي نمو التنقل ذاتي القيادة إلى تغيير قطاع السيارات بما يتجاوز مجرد ظهور السيارات ذاتية القيادة. فقد تتنافس شركات صناعة السيارات بصورة متزايدة في مجالات البرمجيات وأجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي والخدمات المتصلة، إلى جانب المجالات التقليدية مثل المحركات والتصميم والأداء.
كما يمكن أن تصبح شركات خدمات حجز السيارات ومزودو التكنولوجيا أكثر ارتباطًا بشركات تصنيع السيارات والجهات المعنية بالنقل.
وبالنسبة إلى المستهلكين، قد تصبح إمكانات البرمجيات في المركبة مستقبلًا مهمة بقدر مواصفاتها الميكانيكية. ومن المتوقع أن تزداد أهمية التحديثات عبر الإنترنت، وأنظمة مساعدة السائق المتقدمة، وقدرات القيادة الذاتية عند مقارنة السيارات الجديدة.
ماذا يحمل المستقبل؟
يوضح النهج الذي تتبعه الإمارات أن مستقبل السيارات ذاتية القيادة يدخل مرحلة أكثر تنظيمًا. فبدلًا من التعامل مع تقنيات القيادة الذاتية باعتبارها مجرد مفهوم تجريبي، تعمل الجهات المختصة على وضع قواعد تحدد كيفية اختبار هذه المركبات وترخيصها وتشغيلها.
ومن غير المرجح أن يعني المستقبل القريب تحول جميع المركبات على طرق الإمارات إلى مركبات من دون سائق بشكل مفاجئ. بل من المتوقع أن تتطور الخدمات ذاتية القيادة تدريجيًا من خلال تجارب معتمدة، ومناطق تشغيل محددة، وفئات معينة من المركبات.
ومع تطور اللوائح واكتساب المزيد من المركبات ذاتية القيادة خبرة أكبر في ظروف القيادة الواقعية، قد تشهد الإمارات توسعًا في مجموعة خدمات النقل الآلي.
وبالنسبة إلى قطاع السيارات، يمثل ذلك تحولًا جديدًا في طريقة تصميم المركبات واستخدامها. أما بالنسبة إلى الركاب، فقد يؤدي مستقبلًا إلى تغيير مفهوم امتلاك السيارات وسيارات الأجرة والتنقل اليومي.
وبالتالي، فإن تطور لوائح السيارات ذاتية القيادة في الإمارات لا يمثل مجرد تحديث قانوني، بل يعد جزءًا من تحول أوسع في منظومة التنقل، يجمع بين تكنولوجيا السيارات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية ووسائل النقل العام.
