أصبحت مقصورة السيارة أكثر من مجرد مكان للجلوس والقيادة. فالمركبات الحديثة قادرة على التعرف على الأوامر الصوتية، وتخصيص الإعدادات، وفهم سلوك السائق، والاتصال بالخدمات الرقمية. ويقف الذكاء الاصطناعي في السيارات (AI in cars) وراء العديد من هذه الميزات، في الوقت الذي تتجه فيه شركات صناعة السيارات بشكل متزايد إلى دمج الذكاء الاصطناعي مباشرة داخل المقصورة.

ويحدث هذا التحول لأن الشركات المصنعة تريد أن توفر السيارات تجربة أكثر تخصيصًا واتصالًا وراحة. وبدلًا من مجرد توفير شاشة تعمل باللمس مليئة بالقوائم، تستكشف شركات السيارات طرقًا تمكّن السيارة من فهم ما يريده السائق والاستجابة له بصورة طبيعية.

لماذا ينتقل الذكاء الاصطناعي إلى المقصورة؟

تتطلب أدوات التحكم التقليدية في السيارات من السائق تشغيل الوظائف المختلفة يدويًا. إذ يمكنك الضغط على زر لتشغيل مكيف الهواء، أو ضبط قرص لتغيير درجة الحرارة، أو التنقل عبر الشاشة للوصول إلى إعداد معين.

يمكن للذكاء الاصطناعي تغيير طريقة التفاعل هذه.

فبدلًا من البحث داخل القوائم، يمكن للسائق استخدام أمر صوتي طبيعي ليطلب من السيارة ضبط درجة الحرارة، أو العثور على وجهة، أو تغيير الموسيقى.

والهدف هو جعل السيارة أكثر سهولة وذكاءً في فهم احتياجات السائق.

ومع ازدياد اتصال السيارات بالإنترنت والخدمات الرقمية، تنظر شركات صناعة السيارات أيضًا إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة لجمع المعلومات من الأنظمة المختلفة وتقديم استجابات أكثر فائدة للسائقين.

مساعدين صوتيين أكثر ذكاءً

من أبرز الأمثلة على الذكاء الاصطناعي في السيارات تطوير مساعدين صوتيين أكثر ذكاءً.

كانت أنظمة التحكم الصوتي السابقة تعتمد غالبًا على أوامر محددة. فقد يحتاج السائق إلى استخدام عبارة معينة حتى يتمكن النظام من فهم ما يريده.

أما المساعدون المدعومون بالذكاء الاصطناعي في الجيل الأحدث، فقد تم تصميمهم لفهم المحادثات بصورة أكثر طبيعية.

فعلى سبيل المثال، يمكن للسائق أن يقول: “أصبحت المقصورة دافئة جدًا”، ليتمكن النظام من فهم أن درجة حرارة المقصورة تحتاج إلى التعديل.

كما يمكن لهذه التقنية تسهيل التحكم في الملاحة والترفيه وغيرها من وظائف السيارة، دون الحاجة إلى التفاعل المتكرر مع شاشة اللمس.

تجارب قيادة أكثر تخصيصًا

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا أن يساعد في جعل السيارات أكثر تخصيصًا لكل سائق.

قد تضم السيارة الحديثة عدة سائقين، ولكل منهم تفضيلاته المختلفة. فقد يفضل أحدهم مقصورة أكثر برودة، ووضعية معينة للمقعد، وقائمة موسيقى محددة، بينما قد يفضل سائق آخر إعدادات مختلفة تمامًا.

يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي التعرف على الأنماط المتكررة والمساعدة في أتمتة هذه التفضيلات.

ومع مرور الوقت، يمكن للسيارة أن تتعلم الإعدادات التي يتم استخدامها بشكل متكرر وتقديم اقتراحات مناسبة.

ويشبه ذلك الطريقة التي تقوم بها الهواتف الذكية والأجهزة المتصلة الأخرى بتخصيص تجربة المستخدم.

يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة في تقليل تشتيت السائق

أحد الأسباب التي تدفع إلى استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المقصورة هو إمكانية جعل التفاعل مع السيارة أسهل.

فالشاشات الكبيرة التي تعمل باللمس توفر الوصول إلى العديد من الوظائف، ولكن التنقل بين القوائم أثناء القيادة قد يصرف انتباه السائق عن الطريق.

ويمكن للمساعد الصوتي المصمم بشكل جيد أن يسمح للسائق بتنفيذ بعض المهام دون رفع يديه عن عجلة القيادة أو إبعاد عينيه عن الطريق.

ومع ذلك، يعتمد هذا الأمر بدرجة كبيرة على جودة النظام. فإذا اضطر السائق إلى تكرار الأوامر عدة مرات أو التنقل عبر قوائم معقدة لتصحيح سوء فهم الذكاء الاصطناعي، فقد تؤدي التقنية إلى الإحباط بدلًا من تقليل التشتيت.

فهم السائق

يُستخدم الذكاء الاصطناعي أيضًا لتطوير أنظمة مراقبة السائق.

فيمكن للكاميرات وأجهزة الاستشعار تحليل بعض جوانب سلوك السائق، مثل اتجاه النظر، ووضعية الرأس، وعلامات انخفاض مستوى الانتباه.

وتزداد أهمية هذه الأنظمة مع تطور السيارات وأصبح اعتمادها على أنظمة القيادة المساعدة أكثر انتشارًا. فإذا كان من المتوقع أن يستعيد السائق التحكم في السيارة من نظام مساعد للقيادة، فإن السيارة تحتاج إلى معرفة ما إذا كان السائق منتبهًا بالفعل.

وهذا يجعل مراقبة المقصورة جزءًا مهمًا بشكل متزايد من تقنيات السيارات الحديثة.

الذكاء الاصطناعي وأنظمة المعلومات والترفيه تتكامل معًا

تُعد أنظمة المعلومات والترفيه (Infotainment) مجالًا رئيسيًا آخر يؤثر فيه الذكاء الاصطناعي.

فبدلًا من مجرد عرض خيارات الملاحة والترفيه، يمكن للأنظمة المستقبلية أن تعمل بصورة أقرب إلى المساعدين الرقميين.

فعلى سبيل المثال، يمكن لنظام الذكاء الاصطناعي أن يقترح محطة شحن قريبة بناءً على مستوى بطارية السيارة والرحلة، أو يقترح مطعمًا على الطريق، أو يعدّل مسار الملاحة بناءً على التفضيلات المعتادة للسائق.

ويمكن أن يجعل ذلك نظام المعلومات والترفيه أكثر فائدة، دون الحاجة إلى قيام السائق بالبحث يدويًا عن كل معلومة.

لماذا يُعد الذكاء الاصطناعي مهمًا بشكل خاص للسيارات الكهربائية؟

تعتمد السيارات الكهربائية بدرجة كبيرة على البرمجيات والأنظمة الإلكترونية.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحسين استهلاك الطاقة، والتنبؤ باحتياجات الشحن، وتحسين تجربة القيادة بشكل عام.

فعلى سبيل المثال، يمكن لنظام ذكي تحليل أنماط القيادة، وحالة حركة المرور، ومستوى البطارية، لتقديم توصيات حول الوقت والمكان المناسبين للشحن.

ومع ازدياد اتصال السيارات الكهربائية بالأنظمة والخدمات الرقمية، يمكن أن تصبح المقصورة نقطة التحكم الرئيسية التي يتفاعل من خلالها السائق مع هذه الأنظمة الرقمية.

الذكاء الاصطناعي لا يعني أن كل القرارات أصبحت ذاتية

من المهم التمييز بين الذكاء الاصطناعي داخل المقصورة والقيادة الذاتية.

فوجود مساعد صوتي مدعوم بالذكاء الاصطناعي لا يعني أن السيارة قادرة على القيادة بنفسها.

وبالمثل، فإن النظام الذي يخصص إعدادات المقصورة أو يقترح مسارًا معينًا يختلف تمامًا عن التقنية التي تتحكم في التوجيه والتسارع والفرملة.

يمكن لهذه التقنيات أن تعمل جنبًا إلى جنب، لكنها تؤدي وظائف مختلفة.

ويُعد فهم هذا الفرق مهمًا بشكل خاص مع تزايد استخدام الشركات المصنعة لمصطلحات مثل الذكاء الاصطناعي والأتمتة والقيادة الذكية في حملاتها التسويقية.

قضية الخصوصية

إن زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المقصورة تثير أيضًا تساؤلات حول البيانات والخصوصية.

فإذا كانت السيارة تستخدم الميكروفونات والكاميرات والخدمات المتصلة، فقد تقوم بمعالجة معلومات تتعلق بالسائق والركاب.

لذلك تحتاج الشركات المصنعة إلى دراسة كيفية جمع هذه البيانات وتخزينها وحمايتها.

وينبغي للسائقين الانتباه إلى إعدادات الخصوصية وفهم نوع المعلومات التي قد تقوم الأنظمة المتصلة في سياراتهم بجمعها.

ومع ازدياد تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح الشفافية بشأن استخدام البيانات أكثر أهمية.

ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟

أنظمة الذكاء الاصطناعي ليست مثالية.

فقد يسيء المساعد الصوتي فهم أمر معين، أو قد يكون أحد الاقتراحات غير مناسب، أو قد يصدر نظام مراقبة السائق تنبيهًا غير صحيح.

ولهذا السبب، ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تساعد السائق، وليس نظامًا يجب الوثوق به تلقائيًا في كل موقف.

ويحتاج المصنعون إلى اختبار هذه الأنظمة بشكل مكثف، وتوفير طرق واضحة للسائق لتجاوز قرارات النظام أو تصحيحها.

الذكاء الاصطناعي في السيارات سيواصل النمو

تزداد قوة الحوسبة الموجودة داخل السيارات بسرعة. كما تتيح منصات السيارات المعرفة بالبرمجيات (Software-Defined Vehicles) لشركات صناعة السيارات إضافة ميزات جديدة وتحديث الأنظمة الحالية مع مرور الوقت.

وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي في السيارات من المرجح أن يصبح أكثر قدرة مع تطور الأجهزة والبرمجيات.

ويمكن لأنظمة المقصورة المستقبلية أن تفهم المحادثات بصورة أكثر طبيعية، وتتوقع احتياجات السائق، وتتصل بأجهزة المنزل الذكي، وتوفر مستوى أعلى من المساعدة الشخصية.

وقد تتحول المقصورة في نهاية المطاف إلى بيئة رقمية تربط السيارة بجميع جوانب الحياة الرقمية المتصلة للسائق تقريبًا.

ماذا يعني ذلك بالنسبة لمشتري السيارات؟

عند شراء سيارة جديدة، ينبغي للسائقين النظر إلى ما هو أبعد من حجم شاشة اللمس وعدد ميزات الذكاء الاصطناعي التي يتم الإعلان عنها.

الأهم هو التفكير فيما إذا كانت التقنية مفيدة فعلًا.

هل يستطيع المساعد الصوتي فهم الكلام الطبيعي؟ هل يمكن الوصول بسهولة إلى الوظائف الأكثر استخدامًا؟ هل يستجيب النظام بسرعة؟ وهل يتم توضيح إعدادات الخصوصية بشكل واضح؟

ينبغي للتقنية أن تحسن تجربة القيادة، وليس أن تضيف المزيد من الميزات لمجرد إعطاء السيارة مظهرًا أكثر تطورًا.

أفكار أخيرة

يعمل نمو الذكاء الاصطناعي في السيارات على تغيير ما يحدث داخل المقصورة. فالمساعدون الصوتيون، ومراقبة السائق، والتخصيص، وأنظمة المعلومات والترفيه الذكية تجعل السيارات أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات ركابها.

وبالنسبة إلى شركات صناعة السيارات، يوفر الذكاء الاصطناعي فرصة لتحويل المقصورة إلى بيئة رقمية أكثر ذكاءً. أما بالنسبة إلى السائقين، فقد يعني ذلك المزيد من الراحة وتقليل الحاجة إلى التفاعل اليدوي مع الأنظمة المعقدة.

لكن هذه التقنية تفرض أيضًا تحديات تتعلق بالخصوصية والموثوقية وتشتيت الانتباه. ولن تكون السيارات الأكثر نجاحًا والمدعومة بالذكاء الاصطناعي بالضرورة هي التي تحتوي على أكبر عدد من الميزات، بل تلك التي يعمل فيها الذكاء الاصطناعي بهدوء في الخلفية، ليجعل القيادة اليومية أكثر سهولة دون أن يصبح عائقًا أمام السائق.

Categorized in:

أخبار, مقالات,