تخيّل أن تدخل إلى سيارتك، وتُدخل وجهتك، ثم تترك السيارة تتولى الرحلة ببساطة. قد يبدو الأمر أشبه بالخيال العلمي، لكن السيارات ذاتية القيادة أصبحت بالفعل قادرة على تنفيذ العديد من مهام القيادة بنفسها. فأنظمة المساعدة على ركن السيارة يمكنها توجيه السيارة إلى مكان الوقوف، بينما يستطيع نظام تثبيت السرعة التكيفي الحفاظ على السرعة والمسافة، كما يمكن للأنظمة المتقدمة المساعدة في إبقاء السيارة في منتصف مسارها على الطريق السريع.
ومع ذلك، لا يزال هناك فرق كبير بين أنظمة مساعدة السائق والسيارة القادرة فعلاً على القيادة بنفسها. ويتقدم تطوير السيارات ذاتية القيادة بسرعة، لكن السيارات ذاتية القيادة بالكامل لم تصبح بعد واقعاً اعتيادياً بالنسبة إلى السائقين في حياتهم اليومية.
تطور السيارات ذاتية القيادة: من ركن السيارة إلى الطرق السريعة
لقد حدث التطور نحو القيادة الذاتية تدريجياً.
كانت أنظمة المساعدة المبكرة على ركن السيارة من بين أولى التقنيات التي تولت جزءاً من مهام القيادة. إذ تستطيع بعض هذه الأنظمة اكتشاف مكان مناسب لركن السيارة والتحكم في عجلة القيادة، بينما يتولى السائق إدارة المدخلات الأخرى.
وقد قطعت السيارات الحديثة شوطاً كبيراً في هذا المجال.
فيمكن لأنظمة مساعدة السائق المتقدمة الجمع بين الكاميرات والرادار وأجهزة الاستشعار الأخرى لمراقبة البيئة المحيطة بالسيارة. وبحسب السيارة والنظام المستخدم، يمكن لهذه التقنيات المساعدة في التوجيه، والتسارع، والكبح، والحفاظ على موقع السيارة داخل المسار، والحفاظ على مسافة آمنة من المركبات الأخرى.
وعلى الطرق السريعة، يمكن لهذه المزايا أن تجعل القيادة لمسافات طويلة أقل إرهاقاً. ومع ذلك، يُتوقع من السائق في معظم الحالات أن يظل منتبهاً ومستعداً لاستعادة السيطرة على السيارة.
السيارات ذاتية القيادة ومساعدة السائق: ما الفرق؟
من أكبر المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالقيادة الذاتية عدم التمييز بين المساعدة والأتمتة.
قد يتحكم نظام مساعدة السائق في بعض وظائف السيارة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن السيارة قادرة على التعامل مع جميع المواقف بشكل مستقل.
وتستخدم جمعية مهندسي السيارات (SAE) مستويات للقيادة الآلية تتراوح من المستوى 0، حيث لا توجد أتمتة مستمرة للقيادة، وصولاً إلى المستوى 5، حيث يستطيع نظام القيادة الآلية تنفيذ مهمة القيادة بالكامل في جميع ظروف الطرق والبيئة. كما توضح الإدارة الوطنية الأمريكية للسلامة على الطرق السريعة (NHTSA) هذه المستويات باعتبارها وسيلة لتحديد مقدار مهام القيادة التي يستطيع النظام تنفيذها.
ويكتسب هذا التمييز أهمية كبيرة، لأن السيارة القادرة على التوجيه والحفاظ على سرعتها على طريق سريع تختلف بشكل كبير عن سيارة تستطيع القيادة في أي مكان دون أي تدخل بشري.
ماذا تستطيع السيارات ذاتية القيادة فعله بالفعل؟
أصبحت العديد من السيارات الجديدة قادرة على تنفيذ مهام مثيرة للإعجاب.
وبحسب الطراز، قد تتوفر للسائقين مزايا مثل:
- نظام تثبيت السرعة التكيفي
- المساعدة في الحفاظ على السيارة في منتصف المسار
- الكبح التلقائي في حالات الطوارئ
- مراقبة النقاط العمياء
- التعرف على إشارات المرور
- الركن التلقائي
- المساعدة في القيادة على الطرق السريعة
- المساعدة في تغيير المسار
- كاميرات الرؤية المحيطية
يمكن لهذه الأنظمة تقليل العبء الواقع على السائق وتوفير مزيد من الراحة أثناء القيادة.
ومع ذلك، تعمل هذه الأنظمة عادة ضمن حدود معينة. فقد تؤثر الأحوال الجوية، وعلامات الطريق، ومناطق أعمال الإنشاء، وحالات المرور غير المعتادة، والقيود المتعلقة بأجهزة الاستشعار في مدى كفاءة أداء التكنولوجيا.
لماذا يصعب تطوير السيارات ذاتية القيادة بالكامل؟
قد تبدو القيادة أمراً بسيطاً بالنسبة إلى الإنسان، لأننا نعالج كميات هائلة من المعلومات دون التفكير بوعي في كل قرار نتخذه.
فالسائق البشري يستطيع التعرف على إغلاق مؤقت للطريق، وفهم أن شخصاً يقف بالقرب من الطريق قد يتحرك فجأة، وتفسير إشارات سائق آخر، وتعديل سلوكه وفقاً للسياق والظروف المحيطة.
أما تعليم الكمبيوتر كيفية التعامل بشكل موثوق مع كل موقف محتمل، فهو أكثر تعقيداً بكثير.
فالبيئة المرورية لا يمكن التنبؤ بها دائماً. إذ يمكن أن تتغير ترتيبات مناطق الإنشاء، وقد يتصرف المشاة بشكل غير متوقع، كما يمكن أن تتغير الظروف الجوية بسرعة، وقد تكون علامات الطريق غير واضحة.
ولكي تصبح السيارات ذاتية القيادة قادرة فعلاً على العمل دون سائق، يجب أن تكون التكنولوجيا قادرة على التعامل مع هذه الحالات غير المعتادة بأمان وبدرجة عالية من الاتساق والموثوقية.
أجهزة الاستشعار عنصر أساسي
تعتمد القيادة الذاتية بشكل كبير على أجهزة الاستشعار.
تعتمد السيارات ذاتية القيادة على مجموعة من أجهزة الاستشعار والكاميرات والرادار لجمع المعلومات عن البيئة المحيطة، ثم تحليلها لاتخاذ قرارات القيادة المناسبة.
فيمكن للكاميرات تحديد علامات الطريق والمركبات والمشاة وإشارات المرور. ويساعد الرادار في اكتشاف الأجسام وتقدير المسافة بينها وبين السيارة وسرعة حركتها. كما تستخدم بعض الأنظمة تقنية الليدار (LiDAR) لإنشاء معلومات ثلاثية الأبعاد أكثر تفصيلاً عن البيئة المحيطة.
بعد ذلك، يعالج كمبيوتر السيارة هذه المعلومات لتحديد الإجراء الذي ينبغي اتخاذه.
لكن التحدي يكمن في أن أياً من أجهزة الاستشعار ليس مثالياً. فقد تتأثر الكاميرات بضعف الرؤية، بينما تواجه أجهزة الاستشعار الأخرى قيوداً خاصة بها. ولهذا السبب، يعتمد مطورو تقنيات القيادة الذاتية عادة على الجمع بين عدة تقنيات بدلاً من الاعتماد على جهاز استشعار واحد.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل السيارات ذاتية القيادة
يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً متزايد الأهمية في أتمتة المركبات.
فيمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي تحليل المعلومات الواردة من أجهزة استشعار متعددة والتعرف على الأنماط التي تساعد السيارة على فهم البيئة المحيطة بها. كما يمكن استخدام تقنيات التعلم الآلي لتحسين قدرة السيارات على التعرف على الأجسام والاستجابة لمختلف ظروف القيادة.
وهذا أحد الأسباب التي ساهمت في تسارع تطوير تقنيات القيادة الذاتية خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، لا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى إجراء اختبارات مكثفة. إذ يجب أن يكون النظام موثوقاً ليس فقط في حركة المرور العادية، وإنما أيضاً في المواقف غير المعتادة والتي قد تكون خطرة.
السيارات ذاتية القيادة على الطرق السريعة
تُعد الطرق السريعة عموماً أسهل لأنظمة القيادة الآلية من البيئات الحضرية المزدحمة.
فعلامات المسارات تكون غالباً أكثر وضوحاً، وتسير حركة المرور عادة في الاتجاه نفسه، كما يقل وجود المشاة وراكبي الدراجات والتقاطعات المعقدة.
ونتيجة لذلك، تُعد المساعدة على القيادة في الطرق السريعة من المجالات التي بدأ السائقون بالفعل في الاستفادة فيها من مزايا الأتمتة المتقدمة.
لكن حتى على الطرق السريعة، يمكن أن تحدث مواقف غير متوقعة. فقد تمثل أعمال الطرق، ومركبات الطوارئ، والحطام على الطريق، والقيادة العدوانية، والتغييرات المفاجئة في المسارات تحديات للأنظمة الآلية.
ولهذا السبب، لا يزال يتعين على السائقين فهم ما يستطيع نظام سياراتهم القيام به وما لا يستطيع القيام به.
هل يمكن أن تصبح دبي ساحة اختبار رئيسية؟
أبدت دولة الإمارات العربية المتحدة اهتماماً كبيراً بالتنقل الذكي ووسائل النقل ذاتية القيادة.
وقد أعلنت دبي، على وجه الخصوص، عن خطط طموحة للنقل الذاتي. وتهدف استراتيجية الإمارة إلى جعل 25% من إجمالي رحلات النقل ذاتية القيادة بحلول عام 2030.
وهذا يجعل الإمارات سوقاً مهماً لمتابعة تطورات السيارات ذاتية القيادة وتقنيات التنقل الذكي.
كما يمكن للاستثمارات التي تقوم بها المنطقة في البنية التحتية للمدن الذكية أن تساعد في دعم وسائل النقل المتصلة والآلية في المستقبل.
متى سنمتلك سيارات ذاتية القيادة بالكامل؟
تعتمد الإجابة على ما نعنيه بعبارة «ذاتية القيادة بالكامل».
فالمركبات القادرة على العمل بشكل مستقل في مواقع محددة أو ضمن بيئات خاضعة للرقابة أصبحت بالفعل واقعاً متنامياً. كما يجري اختبار سيارات الأجرة ذاتية القيادة وخدمات الحافلات المكوكية ذاتية القيادة أو تشغيلها في أسواق محددة.
ومع ذلك، فإن تطوير سيارة تستطيع القيادة بأمان من أي موقع إلى أي وجهة دون إشراف بشري، بغض النظر عن حالة الطقس أو ظروف الطريق أو تعقيد حركة المرور، يمثل تحدياً تكنولوجياً أكبر بكثير.
وهذا أقرب إلى المستوى الخامس من الأتمتة، بينما لا يزال الانتشار الواسع لهذه التقنية غير مؤكد.
ما الذي ينبغي أن يعرفه مشترو السيارات ذاتية القيادة؟
ينبغي للسائقين النظر إلى ما هو أبعد من المصطلحات التسويقية عند شراء سيارة مزودة بمزايا القيادة الذاتية.
فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عما إذا كانت السيارة «ذاتية القيادة»، يجب على المشترين معرفة ما يستطيع النظام القيام به بالضبط.
هل يستطيع الحفاظ على المسار؟ هل يمكنه تغيير المسار؟ هل يستطيع التوقف عند وجود حركة مرور؟ هل يعمل فقط على الطرق السريعة؟ وهل يحتاج السائق إلى إبقاء يديه على عجلة القيادة؟
إن فهم هذه القيود أمر ضروري.
فقد يكون نظام متطور لمساعدة السائق مفيداً للغاية، لكن لا ينبغي التعامل معه باعتباره بديلاً عن السائق المنتبه، ما لم يكن النظام مصمماً بشكل محدد ومعتمداً قانونياً للعمل دون وجود سائق بشري.
الطريق نحو المستقبل
يتطور مجال السيارات ذاتية القيادة من مجرد أنظمة مساعدة بسيطة نحو مستويات متزايدة من الأتمتة المتقدمة.
فقد تطورت أنظمة ركن السيارات إلى أنظمة للمساعدة على القيادة في الطرق السريعة، بينما تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي والكاميرات والرادار وأجهزة الاستشعار الأخرى للسيارات فهم بيئات أكثر تعقيداً بشكل متزايد.
ولا يتمثل التحدي الرئيسي القادم في جعل السيارات تقود نفسها فحسب، بل في جعلها موثوقة بما يكفي للتعامل مع المواقف غير المتوقعة التي يواجهها البشر كل يوم.
وقد تصبح القيادة الذاتية بالكامل في نهاية المطاف جزءاً من وسائل النقل اليومية، لكن من المرجح أن يحدث هذا التحول تدريجياً. وفي الوقت الحالي، من الأفضل النظر إلى أكثر السيارات تطوراً باعتبارها مساعدين ذوي قدرات عالية، وليس سائقين مستقلين تماماً.
أفكار ختامية
من الركن التلقائي إلى المساعدة على القيادة في الطرق السريعة، أصبحت السيارات تتولى بالفعل المزيد من مهام القيادة. لكن لا تزال هناك فجوة كبيرة بين مساعدة السائق والاستغناء عنه تماماً.
وسيعتمد مستقبل السيارات ذاتية القيادة على التطورات في الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، والبرمجيات، والتشريعات، والاختبارات في ظروف القيادة الحقيقية.
وبالنسبة إلى سائقي اليوم، فإن النهج الأكثر ذكاءً هو الاستفادة من هذه التقنيات مع فهم حدودها. لقد بدأ الطريق نحو القيادة الذاتية الحقيقية بالفعل، لكننا لم نصل بعد إلى وجهتنا النهائية.
