انتقلت شركات السيارات الكهربائية الصينية خلال فترة قصيرة من التركيز على خفض التكاليف إلى أن تصبح نجومًا عالميين في مجال التكنولوجيا. فالكثير من شركات السيارات التقليدية لم تعد قادرة على مجاراة شركات مثل BYD وNIO وXPeng وGeely وSAIC في مؤشرات أساسية مثل كفاءة البطاريات، تكامل البرمجيات، التحكم في التكاليف، وسرعة الابتكار. ولم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل كان نتيجة استثمارات ذكية، وتكامل قوي بين الأقسام المختلفة، ووضع التكنولوجيا في صميم الاستراتيجية.

التحوّل في قادة سوق السيارات الكهربائية عالميًا

لعدة سنوات، كانت الصين تُعرف أساسًا كقاعدة تصنيع عالمية. أما اليوم، فقد أصبحت أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، وأحد أبرز القادة في تطوير هذه التقنية. ويمنح السوق المحلي الضخم الشركات الصينية قدرة على التجربة والتطوير والتوسع بسرعة أكبر مقارنة بالعلامات التقليدية التي تعمل في أسواق أصغر أو أكثر تشتتًا.

عادةً ما تستغرق دورة تطوير الطرازات الجديدة لدى شركات السيارات التقليدية ما بين خمس إلى سبع سنوات. في المقابل، تعمل شركات السيارات الكهربائية الصينية بعقلية شركات التكنولوجيا، حيث تطلق طرازات جديدة كل 12 إلى 24 شهرًا. هذه الوتيرة السريعة تتيح اعتماد كيميائيات بطاريات جديدة، ورقائق إلكترونية متطورة، وميزات برمجية حديثة في وقت أقصر بكثير.

تقنية البطاريات: الميزة الجوهرية

تُعد ابتكارات البطاريات من أبرز المجالات التي تتفوّق فيها العلامات الصينية. فقد كانت شركات مثل BYD من أوائل من طوّروا بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP)، التي تتميز بمستوى أمان أعلى، وتكلفة أقل، وعمر أطول مقارنة ببطاريات الليثيوم-أيون التقليدية. وعلى سبيل المثال، تعمل بطارية Blade من BYD على تحسين السلامة الحرارية، إلى جانب زيادة العمر الافتراضي وسعة الطاقة.

ولا تزال العديد من العلامات التقليدية تعتمد على موردين خارجيين للبطاريات، ما يحد من مرونتها ويبطئ وتيرة التطوير. في المقابل، تنتج شركات صينية مثل CATL وBYD جزءًا كبيرًا من البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية، وهو ما يساهم في خفض التكاليف، وضمان استقرار سلاسل التوريد، وتسريع الأبحاث المتعلقة بالبطاريات ذات الحالة الصلبة وبطاريات الصوديوم، التي لا تزال في مراحلها الأولى لدى الشركات التقليدية.

المركبات المعتمدة على البرمجيات والأنظمة الذكية

منذ البداية، صُممت السيارات الكهربائية الصينية لتكون مركبات معرّفة بالبرمجيات. فبعض العلامات مثل XPeng وNIO تتعامل مع السيارة كما لو كانت جهاز كمبيوتر متحركًا، حيث توفر تحديثات هوائية (OTA)، وأنظمة مساعدة قيادة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحسينات مستمرة للميزات.

في المقابل، تواجه العلامات التقليدية صعوبات كبيرة بسبب اعتمادها على منصات صُممت أساسًا لمحركات الاحتراق الداخلي، ما يجعل دمج البرمجيات عملية معقدة ومكلفة.

تستثمر شركات السيارات الكهربائية الصينية مبالغ ضخمة في الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، والخوارزميات المطوّرة داخليًا. ونتيجة لذلك، تأتي العديد من الطرازات مزوّدة بأنظمة ركن ذكية، وأنظمة مساعدة قيادة متقدمة (ADAS)، وخصائص ملاحة مخصصة للمدن، وغالبًا بأسعار أقل من نظيراتها لدى الشركات التقليدية.

الكفاءة في التكاليف وسرعة الوصول إلى السوق

التكامل الرأسي وخفض التكاليف:

تعتمد معظم شركات السيارات الكهربائية الصينية على التصميم والإنتاج الداخلي للبطاريات، والمحركات، وأنظمة الطاقة، وحتى أشباه الموصلات. ويقلل هذا النهج من الاعتماد على الموردين الخارجيين، ويساهم بشكل كبير في خفض تكاليف الإنتاج.

أما الشركات التقليدية، فتعاني من سلاسل توريد عالمية معقدة، ما يجعل الاستجابة لتغيرات السوق أو نقص المكونات أكثر تكلفة وأبطأ زمنًا.

التصنيع السريع وقابلية التوسع:

يساعد النظام الصناعي المتقدم في الصين شركات السيارات الكهربائية على التوسع بسرعة كبيرة. فبفضل المصانع المؤتمتة، وتجمعات الموردين المحليين، والبنية التحتية المدعومة حكوميًا، أصبح زمن طرح المنتجات في السوق أقصر بكثير مقارنة بالمصانع القديمة المصممة لمحركات الاحتراق الداخلي.

الدعم الحكومي والبنية التحتية

تُعد التنقل الكهربائي أولوية رئيسية ضمن الاستراتيجية الصناعية طويلة المدى للصين. ويشمل الدعم الحكومي حوافز للبحث والتطوير، وتوسيع شبكات الشحن، وتشريعات واضحة تشجع على استخدام السيارات الكهربائية. ويساهم هذا المناخ في تسريع الابتكار وتقليل المخاطر على الشركات المصنعة.

في المقابل، تعمل العلامات التقليدية في بيئات تنظيمية غير مستقرة في بعض الأحيان، ما يبطئ عملية التحول إلى السيارات الكهربائية.

التصميم والميزات المتمحورة حول المستخدم

تُعد الشاشات الرقمية الكبيرة، والمساعدات الصوتية، والتخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والتكامل السلس مع تطبيقات الهواتف الذكية عناصر أساسية في السيارات الكهربائية الصينية. فالمستهلكون ينظرون إلى هذه السيارات على أنها أجهزة ذكية، وليس مجرد وسائل نقل.

كما أن العملاء الشباب المتمرسين تقنيًا لم يعودوا يولون أهمية كبيرة للأداء الميكانيكي التقليدي أو لتاريخ العلامة التجارية بقدر اهتمامهم بالتكنولوجيا والتجربة الرقمية.

وبفضل خفض التكاليف والتوسع السريع، تقدم العلامات الصينية ميزات فاخرة بأسعار متوسطة، ما يغيّر توقعات المستهلكين عالميًا ويجعل الولاء للعلامات التقليدية أكثر صعوبة.

لماذا تواجه العلامات التقليدية صعوبة في اللحاق بالركب؟

بينما تستثمر الشركات التقليدية في السيارات الكهربائية، لا تزال مضطرة إلى إدارة أعمالها القائمة على محركات الوقود. ويؤدي ذلك إلى مقاومة داخلية للتغيير، وتعقيدات في شبكات التوزيع، واعتماد منصات قديمة تُبطئ عملية التحديث.

كما أن العديد من العلامات العريقة تعاملت مع السيارات الكهربائية باعتبارها إضافة إلى مجموعة منتجاتها، وليس تحولًا جذريًا في التكنولوجيا. في المقابل، بُنيت الشركات الصينية منذ البداية على أساس السيارات الكهربائية، ما أتاح لها تصاميم أنظف وتقدمًا أسرع.

مستقبل المنافسة العالمية في سوق السيارات الكهربائية

لم تعد العلامات الصينية تنافس فقط على السعر، بل أصبحت تضع معايير عالمية في تقنيات البطاريات، والبرمجيات، وكفاءة التصنيع. ومع توسعها في أسواق أوروبا والشرق الأوسط والدول النامية، ستجد العلامات التقليدية نفسها مضطرة لإعادة التفكير في استراتيجياتها.

لم يعد السؤال اليوم حول من يمتلك تاريخًا أطول في صناعة السيارات، بل حول من يستطيع الابتكار بأسرع وتيرة. وفي هذا العصر الجديد، تتصدر العلامات الصينية المشهد.

مصنفة في:

General, أخبار, مقالات,